رفـَاقٌ وَ أصدِقـَاءٌ

بسم الله الرحمن الرحيم

رفـَاقٌ وَ أصدِقاءٌ

مَنْ بَاعَكَ بـِعه ُ ” !

فهَلْ صَدَقـُوا ؟

هَل الأمرُ بتلكَ السُهُولَةِ إذ يُمْكِنـُنـَا

بَيعُ مَنْ بَاعَنا

وَ إنْ كـُنـَّا نـَحنُ مَنْ يَحرُصُ عَلى الإبقاءِ عَليهِ

شـَارينَ لهُ ؟!

وَ لِماذا الشاعِرُ أخبَرَنا نـَاصِحَاً

وَ الأبيَاتُ تـُنسَبُ إلى الإمَامِ الشـَافِعِيِّ :

إذا المَرءُ لَمْ يَلقـَاكَ إلا تـَكـَلـُّفاً .. فـَدَعهُ وَ لا تـُكثِر عَليهِ التأسُّفـَاً

؛

رَغمَ أنـَّهُ ألحَقهَا مُبَاشرَة مُعَقـِّبَاً :

ففِي النـَاسِ أبْدَالٌ وَ فِي التركِ رَاحَة ٌ .. وَ فِي القلبِ صَبرٌ للمُحِبِّ إذا جَفـَا

فمَا كـُلُّ مَنْ تـَهوَاهُ يَهوَاكَ قلبُهُ .. وَ لا كـُلَّ مَنْ صَافـَيتـَهُ لكَ صَافِياً

إذا لَمْ يَكـُن صَرفُ الودَادِ طَبيعَة .. فلا خَيرَ فِي وُدٍّ يَجِيءُ تـَكـَلـُّفاً

وَ لا خَيرَ فِي خِلٍّ يَخـُونُ خـَلِيلَهُ .. وَ يَلقـَاهُ مِنْ بَعدِ المَوَدَّةِ بالجَفـَا

؟!

حَديثِي هُنا عَن ( الصَدَاقةِ ) فهِيَ فِي أصلِهَا السَليم الصَوَاب

رَابطٌ مُمَيَّزٌ خـَاصٌّ

بَينَ مَجمُوعَةٍ ضـَيِّقةٍ مَحدُودَةٍ مِنَ الأفرَادِ ،

يَشهَدُ عَليهَا المُتنبِّيُ قائِلاً :

وَ مَا الخَيلُ إلا كالصَدِيق قلِيلَة ٌ .. وَ إنْ كـَثـُرَت فِي عَين مَنْ لا يُجَرَّبِ

!

وَ نتذكـَّرُ ( الطـُفـُولة َ) وَ نـُشـَاهِدُهَا حَولنا

وَ هِيَ تـُكرمُ تـَنسُبُ كـُلَّ تـَعَارُفٍ عَابرٍ بَينهَا جَديدٍ

وَ إنْ لَمْ تـَمضِي عَليهِ سُوَى لحَظـَاتٍ

شـَرَفَ الصَدَاقةِ وَ وُسَامَ الأصدِقاءِ !

وَ نكبُرُ فتكبُرُ ـ أحيَاناً ـ مَعَنا

العُقـُولُ وَ المَشاعِرُ ننضـُجُ لنـَمِيزَ

الصَدَاقةَ بَينَ الزمَالَةِ وَ الرفقةِ وَ المَعرفـَةِ وَ الصُحبَةِ !

نـَبحَثُ فِيهَا قاعِدَةَ المُتنبِّي :

أُصَادِقٌ نـَفسَ المَرءِ مِنْ قبلَ جِسْمِهِ .. وَ أعرفـُهَا فِي فِعلِهِ وَ التـَكـَلُّمِ

مُحَاولينَ تحَاشِي لعنةَ أبِي العَتاهِيَةِ :

للهِ دَرُّ أبيكَ أيُّ زمَان .. أصبَحتَ فِيهِ وَ أيُّ أهلِ زمَانٍ

كـُلٌّ يُواريكَ المَوَدَّة جَاهِدَاً .. يُعطِي وَ يَأخـُذُ مِنكَ بالمِيزانِ

فإذا رَأى رُجحَانَ حَبَّةِ خـَردَلٍ .. مَالَتْ مَوَدَّتـَهُ مَعَ الرُجحَان

!

وَ تبقى الحَيَاة وَ اختبَارَاتـهَا

وَ نحنُ فِيهَا وَ مَعهَا نجتمِعُ وَ نفترقُ ؛

قـُلُوبٌ وَ أروَاحٌ وَ مَشيئَة الحِكمَةِ

لنا رَبٌ كريمٌ

.

فهذا يَحي توفيق يُصبِّرُنا :

لكـُلِّ شـَخصٍ وَ إنْ أغرَاكَ رَونـُقـُهُ .. وَجهُ قبيحٌ فلا يُدهِشـُكَ تغيِّيرُ !

وَ ذاكَ الإمَامُ عَليُّ كَرَّمَ اللهُ وَجهُ يُهدِينا الحِكمَة :

صُن النفسَ وَ احمِلهَا عَلى مَا يُزيِّنُهَا .. تـَعش سَالِمَاً وَ القـَولُ فِيكَ جَميلٌ

وَ لا تـُرينَّ النفسَ إلا تـَجَمُّلاً .. كـَبَا بـِكَ دَهرٌ أوْ جَفـَاكَ خَليلُ

!

وَ أعُودُ إلى ( قضِيَّةِ البَيع وَ الشِرَاءَ ) فِي العُشرَةِ وَ للصَدَاقةِ !

فهلَ حَقٍّ الأمْرُ بتلكَ البسَاطَةِ ؟!

عَرضٌ وَ طَلبٌ أوْ قُبُولٌ وَ رَفضٌ ؟!

بَلْ كيفَ نَعلَمُ أنَّ مَا يَجمَعَنا صَدَاقةٌ سَليمَةٌ قويَّة ؟!

فأحيَاناً نقعُ فِي ضِيق لا نـَجدُِ مَعنا أوْ بجَانِبنا صَديقٌ يُسلِّينا أوْ يُعينـُنا أوْ يُواسِينا !

وَ أحيَاناً بالمِثلِ يَحتاجُنا صَديقٌ وَ لانشِغالِنـَا فِي الحَيَاةِ لا يَجِدُنا !

فـَنسقـُطُ فِي ( سُوءِ الظَنِّ وَ المِحَن ) تتقطَّعُ الرَوابطُ بَيننا !

حَافِظُ إبرَاهِيمُ مُتوَجِّعَاً أمَامَنا :

كمْ مِنْ قريبٍ نأى عَنِّي فأوجَعَنِي .. وَ كمْ عَزيز مَضَى قبلِي فأبكـَانِي

فلجَأ البَعضُ مِنَّا لِتحَاشِي الاحتيَاجِ للصَديقِ خَوفاً عَليهِ مِنْ الاختبَار

عَمَلاً بنظرَةِ

أبي العَتاهِيَّة :

أنتَ مَا استغنَيتَ عَن صَاحِبكَ الدَهرَ أخوُهُ .. فإذا احتـَجتـَهُ سَاعَة ً مَجَّكَ فـُوهُ

وَ حَذِرَاً مِن وَعدِ ابنُ أبي عَيينة :

أرَى عَهدَهَا كالوَردِ ليسَ بدَائِمٍ .. وَ لا خـَيرَ فِيمَن لا يَدُومُ لهُ عَهدٌ

!

لكِنَّ البَعضَ مِنَّا مَازالَ غارقٌ فِي تفاسِير أنَّ الصَدَاقة ( عِلاقةُ مَنفـَعَةٍ مُتبَادَلة ) !

تتطَلَّبُ وَ تستلزمُ التشارُكَ وَ التبَادُلُ

فِي الأسرَار وَ الأخبَار وَ النـُصرَةِ وَ الفزعَةِ !

فأينَ هُمُ مِنَ الصَدَاقةِ وَ أينَ مِنهُمُ نحنُ هُنا ؟!

فالحَذرُ للمُتنبِّي :

وَ مِنَ العَدَاوةِ مَا يَنالُكَ نـَفعُهُ .. وَ مِنَ الصَدَاقةِ مَا يَضـُّرُ وَ يُؤلِم

وَ الانتِبَاهُ عِندَ زُهير ابنُ أبي سَلى :

وَ مَن يَغتـَرب يَحسَبْ عَدُوَّاً صَديقهُ .. وَ مَنْ لا يُكرِّمْ نفسَهُ لا يُكرَّمِ

وَ تظَلُّ الرسَالةُ مَعَ بشـَّار بن بُردٍ :

إذا كـُنتَ فِي كـُلِّ الأمُور مُعَاتِبَاً .. صَديقكَ لَمْ تجد الذِي لا تـُعَاتِبُهُ

فـَعِش وَاحِدَاً أوْ صِلْ أخـَاكَ فإنـَّهُ .. مُقـَارفُ ذنبٍ مَرَّة وَ مُجَانِبُهُ

إذا أْنتَ لَمْ تشرَب مِرَارَاً عَلى القذى .. ظَمِئتَ وَ أيُّ الناسِ تصفـُو مَشاربُهُ

؟!

الأوسمة:

4 تعليقات to “رفـَاقٌ وَ أصدِقـَاءٌ”

  1. أفاتار مؤازر صلاح مؤازر صلاح Says:

    الصداقة يا عزيزي “شرٌ” لا بُدَ مِنه
    ولعلي “صرت بعد تجارب مؤلمة” أمتثل قول الحبيب صلواتُ ربي عليه
    (أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكونَ بغيضُكَ يوماً ما ، وأبغض بغيضكَ يوماً ما عسى أن يكونَ حبيبُك يوماً ما) مع أن الحديث ضعيف الإسناد إلا أنه مقبول المعنى

    إعجاب

  2. أفاتار محمدحسن محمدحسن Says:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وَ مَا يُخفـِّفُ عَنـَّا ألامَ تِلكَ التجَاربِ بَيننا يَا مُؤازرُ
    قولُهُ عَزَّ وَ جَلَّ :
    {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ }فصلت34
    وَ قولُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَ سَلَّمَ فِي حَديثِ أبي هُريرَة رَضيَ اللهُ عَنهُ يَرويهِ مُسلِمُ :
    ” النـَاسُ مَعَادِنٌ كمَعَادِن الذهَبِ وَ الفِضـَّة ،
    خِيَارُهُمُ فِي الجَاهِليَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإسلام إذا فــَقِهُوا.
    وَ الأروَاحُ جُنـُودٌ مُجَنـَّدَةٌ ؛
    فمَا تـَعَارَفَ مِنهَا ائتـَلَفَ وَ مَا تـَنـَاكـَرَ مِنهَا اختـَلَفَ ”
    ؛
    ؛

    إعجاب

  3. أفاتار مؤازر صلاح مؤازر صلاح Says:

    مؤلم يا عزيزي أن تتعود زييف الأصدقاء !
    كما يقول عني من يعرفني أني كائن إجتماعي جداً
    أحب مخالطة الناس ومعرفتهم الإستفادة منهم الإستماع إلى حديثهم
    ولكني في ذات الآن بِتُ أوسع دائرة المعارف وأقلص دائرة الأصدقاء
    لأني بصراحة يا مولاي تعبت ، والحياة أقصر من أن أقضيها في ألم من وعلى فُلان من الناس !

    لكن الحق يُقال
    فـ أنا أشُكرُ لهم كل ما فعله ، فإن خير فقد استفدت منه ، وان شر فقد تعلمتُ أن أجتنبه والحمد لله

    إعجاب

  4. أفاتار محمدحسن محمدحسن Says:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    وَ تِلكَ ( حِكمَة ُ ) مِنَكَ يَا مُؤازرُ جَميلة :
    [ أنَّ نـُوسِّعَ دَائِرَة المَعَارفِ وَ نـُقلِّصَ مَا كانت للأصدِقاء ]
    و صَرَاحَة هِي ( القاعِدَةً ) اليَومَ المُسَاعِدَة فِي الحَيَاة وَ عَليهَا ؛
    أنْ يَملُكَ المَرءُ مَعارفاً لا حُدُود لهُمُ
    فمَن يَدري مَنْ سَيَحتاجُهُمُ مِنهُمُ يَومَاً
    أوْ سَيَجدُ أنْ مُجَرَّدَ ( ذِكرَ ) مَعرفتـُهُ بهِمُ ( كلمَةُ السِرِّ )
    فِي حَلحَلةِ بَعض المَشاكل التِي قدَ يُواجهُهَا !
    ؛
    ؛

    وَ يَبدُوُ يَا مُؤازرُ أنَّكَ تـَوأمُ ( الشـَابيِّ ) هُنا :
    [ وَ الشـَقِيُّ الشـَقِيُّ مَنْ كانَ مِثلِي .. فِي حَسَاسَيَّتـِي وَ رقــَّةِ نـَفسِي ]
    فلا غرَابَة
    أنَّكَ شـَابَهتـَهُ فِي الرُوح هُنا :
    [ وَ أرَى ابنَ آدَمَ سَائِرَاً فِي رحلـَةِ العُمر القـَصِير
    مَا بَينَ أهوَال الوُجُودِ وَ تحتَ أعبَاءِ الضـَمير ]
    ؛
    ؛
    وَ شهادَةُ حَقٍّ وَ حَقيقة
    فالحَمدُ لله دَائِمَاً وَ أبدَاً
    🙂

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.